كل وحدة فينا تعرف شخص عنده معرفة كثيرة، وتجارب كثيرة، ومرّ بمراحل مختلفة من الوعي والتعلّم، لكن رغم كل هذا، حياتها ما تحرّكت بالقدر اللي كانت تتوقعه
قرأت الكتب، سمعت البودكاست، حضرت الدورات، تعرّفت على مفاهيم الوعي والطفولة الداخلية والمعتقدات، وصارت عندها قدرة على تفسير كثير من الأشياء اللي تصير معها
لكن لما تجي للحظة الفعل، تكتشف إنها ما زالت في المكان نفسه
تعرف إيش المفروض تسوي لكنها ما تسويه تعرف إيش اللي يعطّلها لكنها تستمر في تكراره وتعرف إنها تحتاج تتخذ قرار لكنها ترجع تبحث عن معلومة جديدة
وهنا أسأل نفسي:
كيف ممكن للإنسان أن يعرف كل هذا ومع ذلك يظل عاجز عن تحويل معرفته إلى واقع؟
أعتقد إن جزء من الإجابة يبدأ من علاقتنا بالمعرفة نفسها
لأن المعرفة ممكن تكون باب يفتح لنا احتمالات جديدة، وممكن تتحول إلى حجاب نشعر خلفه إننا فهمنا بينما إحنا في الحقيقة ما زلنا نتجنب الخطوة اللي يتطلبها هذا الفهم
خليني أوضح لك
لما أكتشف إني أؤجل قراراتي، وأعرف إن عندي مشكلة مع التسويف، ممكن أبدأ أبحث عن أسبابه، وأقرأ عنه، وأفهم جذوره، وأتعلم كيف أتجاوزه
وهذا كله ممكن يكون مفيد
لكن أوقات من دون ما أنتبه يتحول الفهم إلى محطة أكتفي بالوقوف عندها
أبدأ أقول: أنا مسوّفة، أنا أخاف من الفشل، أنا مثالية، أنا مشتتة
ومع تكرار هذي الأوصاف، ما تعود مجرد تفسيرات لسلوكيات أعيشها، بل تبدأ تتحول إلى تعريفات أعرّف نفسي من خلالها
وكأني كلما وجدت اسم للي يصير لي، شعرت إني اقتربت من الحل، مع إن التغيير اللي أبحث عنه ما زال ينتظرني في مكان آخر
متى يتحول فهمنا لأنفسنا من وسيلة للتغيير إلى وسيلة نتعايش بها مع بقائنا في المكان نفسه؟
هذا السؤال مهم بالنسبة لي؛ لأن فيه فرق بين إنك تفهم النمط اللي يتكرر في حياتك، وبين إنك تستخدم هذا الفهم لتبرير استمراره
لما أقول عن نفسي: أنا إنسانة مشتتة، ممكن أرتاح للحظة لأني وجدت تفسير للي يصير معاي
لكن هذا التفسير ما يشرح بالضرورة ليش أتشتت، ولا متى يظهر التشتت، ولا وش اللي يخليني أعود له كل مرة
أنا هنا وصفت النتيجة، لكن هل فهمت ما ينتجها فعلا؟
هل المشكلة في كثرة المعلومات؟ أو في خوفي من الاختيار؟ أو في اعتقادي إن لازم أني أتأكد من كل شي قبل ما أبدأ؟ أو في صعوبة التخلي عن الاحتمالات الثانية لما أختار احتمال واحد؟
كل احتمال من هذي الاحتمالات يقودني إلى مساحة مختلفة من الفهم والعمل
وهنا أعتقد إننا نحتاج ننتبه لشي آخر: مو كل ما نفهمه على مستوى الوعي يتغير تلقائياً في سلوكنا
ممكن أعرف إن المثالية تعطلني، لكن أظل أتصرف من منطلق إن الخطأ يقلل من قيمتي
وممكن أعرف اني أؤجل قراراتي خوف من الفشل، لكن يظل هذا الخوف حاضر كلما اقتربت من تجربة جديدة
وممكن أفهم اني أحتاج أظهر وأعبّر عن نفسي، لكن أظل أبحث عن الطريقة المثالية اللي تضمن لي القبول
لأن معرفة المعتقد وتسميته شي وفهم كيف تشكّل، وكيف يؤثر في اختياراتي، وكيف أتعامل معه في المواقف الحقيقية شي آخر تماماً
مو كل معتقد يتغير بمجرد ما أكتشف اسمه ولا كل نمط ينتهي بمجرد ما أفهم أسبابه
أحيانًا أحتاج أراجع التجارب اللي صنعت تصوري عن نفسي، وأختبر صحة ما أؤمن به، وأتعلّم اتخاذ قرارات مختلفة حتى لو كان الشعور القديم ما زال حاضر
وهذا هو الفرق بين أن تعرف، وأن تتغير
المعرفة تعطيني احتمال جديد، لكن القرار هو اللي ينقلني من مساحة الاحتمال إلى مساحة الفعل
وهذا مو يعني إن كل اللي نحتاجه هو قوة الإرادة، أو إن كل شخص يعرف ما عليه فعله يستطيع تنفيذه بسهولة احياناً توجد عوائق نفسية أو عملية حقيقية تحتاج فهم وفهم وتدرج
لكن اللي أقصده إننا أحيانًا نستمر في البحث عن إجابات، بينما السؤال اللي نحتاج نواجهه مو: ايش أحتاج أعرف ؟
السؤال: ايش اسوي باللي أعرفه الآن؟
وين أنا أؤجل القرار، وأستبدله بمزيد من التعلّم؟
وين أبحث عن طريقة أفضل، بينما أنا في الحقيقة أخاف أختبر الطريقة اللي أعرفها؟
ووين أقول اني مشتتة، بينما أنا ما زلت أحاول الاحتفاظ بكل الخيارات مفتوحة، عشان ما أضطر إلى تحمّل مسؤولية اختيار واحد منها؟
بالنسبة لي التشتت مو دايم مشكلة في التركيز، ولا دايم نتيجة كثرة الاهتمامات
أحيانًا يكون نتيجة معرفة ما زالت متفرقة، وتجارب لم نفهم الرابط بينها، وأفكار لم نحدد مكانها في حياتنا، وقرارات لم نحسمها
وهنا نحتاج نتوقف عن إضافة المزيد ونبدأ في ترتيب ما لدينا
وهذا أحد المعاني اللي أشتغل عليها في منهجية معنى: كيف ننتقل من تكدّس المعلومات والخبرات والتجارب إلى فهم يجمعها، ويكشف العلاقات بينها، ويساعدنا على تحديد الاتجاه اللي نتحرك فيه
احيانا نحتاج نميّز بين ما نؤمن به فعلًا وما اعتدنا تكراره، ثم نتخذ قرار ينسجم مع ما وصلنا إليه وتحويل ما تعلمناه إلى ممارسة واقعية